عبد السلام احمد الراغب

20

وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم

في خلقه وتكوينه ، وتمييزه عن سائر المخلوقات الأخرى ، ولا يكون هذا التميّز عن سائر المخلوقات الأخرى بالشكل فحسب ، وإنما أيضا بالعقل والإدراك والشعور . وبذلك يمكن أن نوسّع من مدلول استعمال الكلمة في القرآن ليشمل الشكل والمضمون معا . وهذا المفهوم ينسجم مع آيات أخرى في القرآن ، تعدّ المشركين كالأنعام ، لأنهم فقدوا ميّزة الإنسان ، في الإدراك والتفكير ، وإن كانوا في صورة الآدميين في الظاهر . ولكن المفسرين - على ما يبدو - كانوا ينطلقون في تفسير كلمة الصورة ، من اللغة التي تدور دلالتها في المعاجم ، حول الشكل الخارجي للأشياء . ونضيف إلى ذلك التأثر بالمفهوم الفلسفي اليوناني للصورة وبالذات الفلسفة الأرسطية ، فقد عرف العرب كلمة الصورة بمعناها الفلسفي التي تفصل بين « الصورة والهيولى » والصورة هي الشكل ، والهيولى هي المادة ، فالمنضدة هيولاها الخشب والغراء ، وصورتها هي التركيب المخصوص للخشب والغراء حتى يظهر في شكل معين « 6 » . وقد دعم هذا الفصل بين الصورة والهيولى فكرة المعتزلة ، التي تفصل بين اللفظ والمعنى ، في تفسير القرآن الكريم كما أثر في الدراسات الأدبية والبلاغية أيضا « 7 » . هذه المؤثرات اللغوية والدينية والفلسفية ، وجّهت البلاغيين والنقاد ، نحو التركيز على الشكل في دراسة الصورة ، ويعدّ الجاحظ ( ت 255 ه ) أول من لفت الانتباه إلى الصورة في العمل الأدبي بقوله : « فإنما الشعر صناعة ، وضرب من النسج ، وجنس من التصوير » « 8 » . وقد أثارت هذه العبارة جدلا بين النقاد في تحديد مدلولها ، فالدكتور كامل بصير يرى أن عبارة الجاحظ حول التصوير ، تشمل اللفظ والمعنى معا ، أو الشكل والمضمون . وهذا المفهوم - برأيه - يعدّ امتدادا لمدلولها في اللغة والقرآن ، وقد حاول تأويل النصوص اللغوية والقرآنية ، وتحميلها من الأفكار ما لا تحتمله ، حتى يرجع مفهوم الصورة إلى أصول عربية ، ونفي أي تأثر بالثقافات الأجنبية « 9 » .

--> ( 6 ) الصورة في الشعر العربي : د . علي البطل ص 15 . ( 7 ) الصورة الفنية في التراث النقدي والبلاغي : د . جابر عصفور ص 347 وما بعدها . ( 8 ) كتاب الحيوان : الجاحظ ج 3 ص 131 - 132 . ( 9 ) بناء الصورة الفنية في البيان العربي : د . كامل البصير ص 24 - 28 .